((سلسلة معركة الكرامة - 1)) - شهادة المقدم اهارون بيليد אהרון פלד قائد كتيبة دبابات Centurion من جيش الإحتلال الصهيوني

((سلسلة معركة الكرامة - 1)) - شهادة المقدم اهارون بيليد אהרון פלד قائد كتيبة دبابات Centurion من جيش الإحتلال الصهيوني

قبل البدء بذكر تفاصيل القتال الذي دار في معركة الكرامة لا بد لنا من معرفة طبيعة المعركة فيها وتزداد الفائدة وتكتمل الصورة عندمـا نطلع على الحقائق التي وردت على لسان قادة العدو الذين وصفوا طبيعة معركة الكرامة، ونادراً ما تتاح فرصة مقارنة القصص التي يرويها طرفان متحاربان بعد مدة قصيرة من إنتهاء المعركة، ومع أن كل ما نشره العدو كان إلى حد ما محاولة ذكية لإخفاء الحقائق الهامة حول سير المعركة وطبيعتها، إلا أنه من الممتع والمفيد حقاً أن نطلع على هذه المحاولة لنعرف الحقيقة كاملة بعد قراءة حقائق معـركة الكرامة كما رواها أبطالها رواية دقيقة لا تقبل الشك.

نشرت جريدة דבר دافار Davar الاسرائيلية (القول بالعربية) يوم 20 أيلول 1968 مقالاً صحفياً بقلم المقدم اهارون بيلد אהרון פלד (العميد لاحقاً) الذي وصفته على أنه من أقدر قادة الدروع في جيش العدو، والذي قاد احدى الكتائب المدرعة في الهجوم على محور الشونة الجنوبية ثم انفصل عنه بإتجاه الرامة والكفرين، ومما قالته جريدة دافار عن هذا القائد :

(بدأ بيلد حياته العسكرية جندياً في وحدات ناحال (نخبة المشاة)، وهو من مواليد تل أبيب، وتلقى تعليمه في معسكرات المهاجرين ثم التحق بكتائب الناحال، وبعد مرور سنة أُرسل في دورة تدريبية للضباط). فقال : "اردت ان استقيل واذهب إلى المزرعة، وأثناء فحوصات دورة الضباط حصلت على درجـة (ب) ولكن ذلك لم ينفعني وشتمت وبكيت وصرخت وهددت وكل ذلك دون جدوى، وفي بداية الدورة لم أدرس ولم اقم بأي عمل، ولكن قالوا لي بأن ذلك لا يفيد، وأنهم لن يسرحوني من الخدمة، وعندها بدأت اعمل بجد وبجهد كبيرين".

وتستمر الجريدة في وصف حياة هذا القائد فنقول :

(أثناء الدورة تزوج صديقة له في حركة ناحال، وفي نهاية عام 1954 استقال من الجيش وذهب إلى الكيبوتس، وقبل عملية سيناء 1951 تجند في الجيش النظامي واشترك في الحرب كمظلي، قال : "في سيناء كانت حربنا حرب سير على الاقدام، ولم تتوفر لنا الفرصة لكي نشترك في القتال، وفي ذلك الحين سرنا في المحور الرئيسي إلى المتلا ولكنني بالرغم من ذلك لم أصل إلى هناك. وبعد الحرب أصيب فـي ظهره في إحدى عمليات الإنزال بالمظلة. وأٌعطيت له وظيفة في القيادة وشفي بعد المعالجة، ولكنه لم يستطع العودة إلى المظلة ونقل إلى سلاح الدروع واستلم قائد سرية مشاة محمولة، واحب دبابات السنتوريون ونقل قائداً لسرية دبابات، ثم تسلم منصب مساعـد قائد كتيبة، والتحق بدورة القيادة والأركان وبعدها عمل مدرباً في مدرسة الدروع، وأخيراً قـائـداً لها إلى أن اشترك في "حرب الأيام الستة" قائداً لكتيبة سنتوريون).

وتمضي صحيفة دافار في نقل حديث الضابط عن وصف معركة الكرامة فنقول : (في معركة الكرامة 21 آذار 1968 كان بيلد قائداً للقوة المحاصرة من جهة الجنوب وحسب الخطة كان عليه اجتياز جسر اللنبي (جسر الملك حسين حالياً، وبعد أن يتقدم 3 کم يتجه جنوباً لإغلاق محور تقدم القوات الأردنية من جهة عمان بإتجاه جسر الأمير عبدالله وبلدة الكرامة ومنع وصول أية نجدات أردنية، ولغاية منطقة الطوق نشبت معركة وقتل فيها عدد من رجال بيلد).

ويقول (بيلد) : "وكانت دبابات الأردنيين متسترة في المنطقة، وكانت المنطقة ليست مفتوحة بل مكسوة بالنباتات والأشجار، كان الأردنيون متسترين جيداً، ودارت بيننا وبينهم لعبة التستر وهي لعبة غير لطيفة، عندما كنت متقدماً خلال إطلاق النار لمحت إلى يساري لهباً ورأيت أحد جنودي واسمه (جليلي) قد أصيب، لقد عمل الأردني على ما يرام حيث انتظر وكان متستراً، وعندما شاهد دبابة من دباباتنا صوّبَ نحوها وأصابها من القذيفة الأولى، لقد طار (جليلي) من برج الدبابة وسقط على الأرض، وأخذ يركض خلف الدبابة وتمكن من تسلقها، وبعد أن تقدم 50 متراً، أُصيب بقذيفتين من نفس الدبابة الأردنية، واشتعلت النيران في دبابة (جليلي) وقتل فيها ثلاثة، ووجدنا (جليلي) خارج الدبابة وكان جريحاً، أما السـائق واسمه (دوف حـولاته) فقد تمكن من الخروج من غرفة السائق مصاباً بحروق بسيطة في يديه، لقد عرفت كل واحد منهم شخصياً. (فدباباتنا مميزة)، لذلك عرفت بأن هذا هو (جليلي)، لم ألاحظ بأنه خرج من الدبابة، وكنت واثقاً من أن الأربعة انتهى أمرهم، ومقابل ذلك كانت هناك معركة في الجبهة مع بعض الدبابات الأردنية، وأبدناها وكان عددها ثمانياً".

"في منطقة التطويق نظم (بيلد) القوة المحاصرة، وكانت القوة مطوقة من الأمام وفي الأجنحة ومن الخلف "كانت الساعة 07:30 صباحاً وقـد بدأ الأردنيون بالقصف، لقد مرت عليّ عمليات قصف كثيرة ولكن قصفاً كهذا لم أذكر أنني شاهدته في حياتي، أُصيبت جميع دباباتي بقذائف المدفعية ما عدا اثنتين. بقينا تحت القصف الأردني لغاية الساعة الواحدة ظهراً. وبالرغم من وجودنا بداخل الدبابات ومحميين إلا أن المسألة كانت عويصة. لقد بدأ الأردنيون بمحاصرة قوة التطويق من جميع الجهات، يمطرونها بوابل من النيران، وكانت الإصابات حقيقية ومن مسافة قريبة". "بقينا لغاية الساعة الثالثة بعد الظهر تقريباً ومن ثم تلقينا أمراً بقطع الإشتباك، وأقصد الإنسحاب. ولكن قبل ذلك كان هناك حادثاً مهماً في دبابتي، حيث تبادلنا إطلاق القذائف مع دبابة أردنية على مسافة 2000 متر تقريباً، كنت أطلق النار وكنت أشاهد دبابة أردنية مندفعة نحوي من الجانب، فأمرت إحدى دباباتنا بصدها، ولكن قال لي قائدها بأنه لا يعرف الدبابة المقصودة، ولم يكن لدي خيار، حيث وصلت الدبابة الأردنية لمسافة 600 متر، فوجهت المدفع جانباً نحو الدبابة المهاجمة، عندها قـال لي الجندي المدفعي واسمه (روبين) بأنه لا يوجد تخفيض كافٍ للمدفع لأننا كنا في مواقع لا يمكننا إنزال المدفع للأسفل وأمرت السائق بالتقدم، فتقدم ووقف، وعاد (روبين) يقول لي أنه لا يمكنه تخفيض المدفع مرة أخرى، وذلك يعني أنه لا يستطيع وضع مصلب التهديف على الدبابة المعادية، وهنا قررت عدم اللعب بدبابات السنتوريون Centurion، وأصبحت مضطراً للإرتفاع مرة واحدة لأنني لا يمكنني أن أطلق النار بسرعة وصحت على السائق وأرتفع إلى الأعلى. وهنا وقفت الدبابة الأردنية وشاهدت أن مقـدمتها اصبحت مقابلي بالضبط".
"فأطلقنا النار ولكن الدبابة الأردنية سبقتنا بإطلاق النار بسبب محاولاتنا السابقة للإرتفاع، وأصابت قذيفته جناح دبابتنا، ولكن (روبين) أصابه أيضا إصابة جيدة وشاهدنا أحدهم يقفز من الدبابة، ثم باغتتنا قذيفة أخرى من الدبابة الأردنية فأشتعلت دبابتنا، حقيقة أننا في تلك اللحظة لم يكن شعـورنا حسناً، في تلك اللحظة لم أكن أفكر فيما إذا كان أعداد الدبابة عملوا جميع ما أمرتهم به أم لا، بل قلت هذا ما حصل، ولكن المهم هو أنني ها هنا وأقص عليك ما جرى".

"مُنِحتُ وسام التقدير بسبب العمل الذي قمت به في المرحلة النهائية وهو الإنسحاب من معركة الكرامة، ففي الساعة الثالثة تلقيت الامر، وقبل ذلك أرشدت طائرة هيلوكبتر أثناء هبوطها لكي تنقل (جليلي) ومصابين آخرين. وبعد ذلك أخليت جميع المعدات غير المدرعة، ففي المعركة أصيبت نصف مجنزرة للهندسة ونصف مجنزرة فنية، حيث أن حضيرة التصليح كـانت تقـوم بإصلاح الدبابات التي أُصيبت في قلب المعركة، وعندما نزل جنود حضيرة التصليح من الدبابة وركضوا إلى النصف مجنزرة سقطت قذيفة في وسطهم بالضبط وأصيب كثير منهم، وهنا عرفت أن بعض الإصابات قد وقعت. ولكنني كنت مضطراً للإستمرار في القتال، وفجأة سمعت على جهاز اللاسلكي صوتاً يقول : القائد يتكلم ويده مبتورة، فعندها تركت القتال لحظة وقلت له بصوت هادئ مثلما أكلمك الآن : (ليفن) - حيث هكذا كانوا يدعونه - يهمني أن أخرجك من هنا، وإذا أردت فإنني سأتوجه إليك الآن، لا أحد يخرج من هنا، يجب علي إخراج جميع القوة، فهدّأه ذلك، لقد كان تقريباً فاقد الوعي حيث كانت يده معلقة ولكنه هدأ وترك المايكرفون، وإلى الخلف على بعد مائةٍ أو مائتي متر سمعت أنه يوجد جرحى وقتلى لا يعرفون ماذا يعملون. فقلت (لروبينو بيتس) - وهو مساعدي - أن يجمع السيارات ويخرجها مع بعض الدبابات إلى منطقة لا يوجد عليها ضغط من قبل العدو، وبقيت في المعركة واستمرينا في القتال".

"عندما بدأت بالخروج من هناك كنت آخر القوة، فشاهدت النصف مجنزرة التابعة للهندسة رابضة وعندها شـخـص يبكي ويقول : "لا يمكنني أن اتحرك". فتقدمت إليه بالدبابة ونزلت وربطت النصف مجنزرة بدبابتي وسحبتها، وبهذه الطريقة حركنا النصف مجنزرة وطيلة المدة التي سحبت فيها النصف مجنزرة ونحن تحت النيران المدفعية، وصلنا الطريق وتقدمنا، ومرة أخرى غرزت النصف مجنزرة في داخـل حقل، وبعد ذلك غرزت دبابات أخرى وقمنا بإنقاذها تحت النار، انني أعتقد بأن سبب منحي وسام التقدير هو لأنني كنت أقوم بالإنقاذ تحت النار".

"كانت لي دبابة في الداخل وبقينا لغاية الظهر نحاول سحبها حيث اشتعلت فيها النار وانفجرت، وأُعطبت جميع معداتها وانصهر حديدها من جراء الحرارة، وقمت بإرسال قائد سرية لكي يحاول جرها بثلاث دبابات ولكنه لم يستطع، وكان ذلك تحت قصف المدفعية وهذا العمل كما تعرف ليس هو أنك مجرد ما وصلت الدبابة تجلس بهـا وتسيـر، لقد عملوا في سحب هذه الدبابة أكثر من ساعة، وربطوها بالحبال، ونزلوا في الدبابة وحاولوا سحبها ولكن مجموعة المحرك والجنزير كانت قد تمزقت وانفصلت عن الهيكل بسبب إنفجار الذخيرة بداخلها، وكانت الارض رطبة فلم تجر الدبابة. ليس من اللطيف إبقاء دبابة، ولكنني عرفت أن الرجلين اللذين كانا بها قد قتلا، وأن الدبابة أصبحت خردة، فقررت تركها بعد أن أخذت موافقة قائدي، فلو أن الدبابة كانت كاملة ولم يكن بإستطاعتي سحبها لقمت بتفجيرها".


هكذا كانت طبيعة معركة الكرامة، مع أن هذا القائد الإسرائيلي حاول أن يخفف من حدة الضربة التي ذاقتها كتيبته المدرعة من قبضة سرية دبابات أردنية. ومن فئة فصيل منها بالذات كان يقودها الشهيد الملازم محمد هويمل الزبن، إلا أن طبيعة المعركة تبدو واضحة من كلامه. لم يكن العقيد (بيلد) يدري أن الذي دمر عدداً كبيراً من دباباته ضابط صف أردني برتبة نائب "رقيب" واسمه النائب "الرقيب" محمد حينان، والذي بارزه بدبابة واحدة ضد سريته الأمامية كلها وخسائره التي وصفها وبعض التي لم يصفها في مقاله كانت من يمين هذا الرقيب الذي سيأتي ذكر قتاله فيما بعد. المصادر


كتاب (معركة الكرامة - د. اللواء معن أبو نوار) الصفحات 10-16

صحيفة דבר دافار Davar الاسرائيلية عدد يوم 20 أيلول 1968 الصفحة 39

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة