الموقف الأردني من الغزو العراقي للكويت 1990 وحرب تحرير الكويت 1991 - كتاب القرار - الجزء الأول
الموقف الأردني من الغزو العراقي للكويت 1990 وحرب تحرير الكويت 1991 - كتاب القرار - الجزء الأول
نتحدث في الجزء الأول في هذه السلسلة عن حقيقة الموقف الأردني من الغزو العراقي للكويت عام 1990 وحرب تحرير الكويت عام 1991 من وجهة نظر أردنية بحتة يرويها الشخص الثاني في الدولة الأردنية بعد الملك رئيس الوزراء حينها مضر بدران في مذكراته بعنوان "القرار"
بداية الأزمة ومقدمات إحتلال الكويت
في 7 أيار 1990 انعقدت القمة العربية في بغداد، وهناك وفي اجتماع مغلق مع القادة، خاطب صدام كلا من الإمارات والكويت بأن عليهما وقف التلاعب بأسعار النفط ، وهو ما يضر بالمصالح الاقتصادية العراقية، كان الاجتماع متوتراً، وكانت قمة تتحدث صراحة عن الخلافات العراقية الكويتية.
وتحدث إليّ العراقيون في إحدى الزيارات الرسمية لبغداد، بأن الكويتيين حفروا على حدودهم مع العراق، وسحبوا نفطاً خاماً من حوض مشترك مع العراقيين على الحدود (حقل الرّميلة)، وذلك خلال انشغال العراق بحربها مع إيران. أثار ذلك استغرابي، وقدَّرت أنه سيسبب أزمة كبيرة بين البلدين.
كنا قريبين من العراقيين، تعبنا ونحن نحاول إقناعهم بأهمية أن لا تصل الأمور بينهم وبين الكويتيين للعمل العسكري، وعلى الرغم من أننا اتُّهمنا بأننا كنا نعرف عن احتلال العراق للكويت، لكن قطعاً لم نكن نعلم بذلك. صحيح أن المؤشرات كانت واضحة لنا، وفكرنا بصوت عالٍ في الأمر مع الراحل الحسين، وحاولنا أن نحذر صدام حسين من أي تهور على هذه الجبهة، لكن لم يكن لدينا أي علم بنية صدام اجتياح الكويت، أو بموعد ذلك الحدث الذي غير ملامح منطقتنا. وذهب فينا الظنّ إلى أن ما يقوم به صدام مجرد مناورات سياسية، عطفاً على مطالبة عبدالكريم قاسم سابقاً، بأن الكويت أرض عراقية، وهدّد باسترجاعها، وقامت جامعة الدول العربية في حينها بإرسال قوات عسكرية للكويت.
ما جرى أن صدام احتل الكويت بعد استمرار الخلاف بينهما وبخصوص أسعار النفط الذي أثّر على الاقتصاد العراقي المنهك أصلاً إثر حربه مع إيران والتي خاضها العراق بالإنابة عن الخليج العربي كاملا. وكان رأيُنا أنه لا بدَّ أن تظل قناة الإتصال السياسية بين الطرفين فاعلة. فَكُنت أعي أن صدام حسين الذي عرفته جيداً لديه نقاط حساسة لا يساوم عليها، فقد درست شخصية صدام وأمعنت النظر طويلاً في تحليلها، وبقيت في الأشهر الثلاثة الأولى لمعرفتي به، أجلس في الإجتماعات صامتاً، فقط أريد أن أحلل شخصيته، في رجل يتعامل بإنفعال شديد، إذا ما تعلق الأمر بالكرامة أو النخوة أو الشهامة. خلال زيارتنا الأخيرة لبغداد، وقبل احتلال الكويت، كان صدام قد أرسل رئيس وزرائه سعدون حمادي للكويت، حيث انتظر الأخير ليومين لمقابلة أمير الكويت وهذا ما زاد (الطين بله). بقيت الأمور تتطور، وحاولنا رأب الصدع بين الأشقاء، لكن محاولاتنا جاءت بعد أن ساءت الأمور كثيراً.
وقبل احتلال الكويت بأيام، كانت العواصم العربية تعج بالزيارات الثنائية والاجتماعات، وأذكر جيدا أنه في 29 و30 تموز 1990 وقبل احتلال العراق للكويت عقد اجتماعان منفصلان، الأول في السعودية بين ولي العهد الكويتي سعد العبدالله الصباح، ونائب الرئيس العراقي عزت إبراهيم الدوري، وكانت تعليمات صدام للدوري واضحة : «في حال وافقت الكويت على المطالب العراقية (خير وزين)، وإن لم توافق ارجع فورا».
أما الاجتماع الثاني، فكان بين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين في بغداد، وتأخرت يومها عن اللحاق بالاجتماع بسبب قدوم رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي لعمان في زيارة رسمية، غادر صدقي للقاهرة، وغادرت أنا إلى بغداد حيث وصلت الساعة العاشرة ليلاً، وكان العشاء الرسمي قد انتهى، وجلست مع الراحل الحسين الذي أبلغني عن توتر الوضع بين صدام والكويت.
طلبت أن أقابل صدام لأحذِّره من التهور والاستعجال، وبالفعل وقبل مغادرتها -جلالة الملك وأنا- بغداد باتجاه الكويت حيث كانت وجهتنا مقرَّرة سلفاً، قابلته وحاولت إقناع صدام بذلك، حيث قال لي عاضباً : «أنت تقبل أن يقعد رئيس وزراء العراق يومين في الكويت ينتظر مقابلة الأمير ؟!»، وأقسم بعدها : «والله لأخلي الرمل ينثر بعيونهم». قلت له : «الكويتيون يعتمدون على أميركا، وستتدخل لصالحهم»، فقال : «وأنا معتمد على الله».
لاحقاً، وبينما نحن في السيارة مغادرين إلى المطار، قلت لطه ياسين رمضان الذين كان النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي أنذاك، إنني لم أو صدام غاضباً لهذه الدرجة من قبل، وأضفت أن عليهم إقناعه بعدم التهور، فهذا سيضر بمصالحنا جميعاً.
في زيارةٍ لاحقة خلال أيام احتلال الكويت، قال لي صدام حسين على ضوء حواري السابق مع رمضان : «بدك أبونادية (طه ياسين رمضان) يهدي علي، أنا من يهدي عليه خلال اجتماعات مجلس قيادة الثورة». لقد كان طارق عزيز هو الوحيد في القيادة العراقية الذي اتخذ موقفاً ضد حرب صدام على الكويت.
بعد ذلك وصلنا إلى الكويت، حيث بقينا في بالمطار والتقى الحسين بالشيخ جابر الأحمد الصباح، وبدا لي أن الأمور تتجه إلى مزيد من التوتر، وأنّ هناك نية لدى صدام لدخول الكويت التي كانت متمسكة برأيها، وكان العراقيون متشددين بموقفهم. أنا لم أحضر اجتماع الراحل الحسين بأمير الكويت، لكن بقيت ووزير الخارجية الكويتي وقتها، الشيخ صباح الأحمد الصباح، واقفين بانتظار انتهاء اجتماع الملك والأمير. هناك سألت الصباح، عن صحة ما يقوله العراقيون، عن الحوض النفطي المشترك بين البلدين، وسحب الكويت النفط الموجود فيه، وأجابتي بقوله إن هذا صحيح، وإنهم على استعداد للتفاهم على الأمر، وإنهم أنتجوا من البئر 1700 برميل يومياً، وإن صدام يقول إن إنتاجهم تجاوز 2000 برميل نفط وأكثر، وإنهم مستعدون لتعويض العراق، صعقت لأن المعلومات صحيحة، وقلت للشيخ الصباح : «أنت تفوت على بيت الأسد تأخذ أكله !»، تأكدت أن صدام لن يتركها هكذا، لأن الموقف كله حدث وصدام مشتبك عسكريا على الجبهة الإيرانية، وهناك قلت للشيخ الصباح : «صدام سيتدخل عسكرياً»، فابتسم وقال : «الأميركان بطَلْعوه».
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
ماذا كان الموقف الأردني ؟ وكيف تم تفسيره ؟ ومن المسؤول عن التفسير الخاطئ له ؟
في طريق عودتنا من الكويت لعمان، أبلغت الراحل الحسين بالحوار الذي دار في المطار، وأذكر ردّ فعله جيداً، فقد ضرب على جبينه، وقال : «الأميركان طلعوا من الباب ورح يرجعوا من الشباك، وإن عادوا للمنطقة ما رح يطلعوا أبداً». هناك فكرت طويلاً بكلام الحسين رحمه الله فقد كان يملك حسّا استشرافياً عالياً، أثق به كثيراً، وأستند إليه في كل تحليلاتي.
طلبتُ بعدها مجلس النواب للإجتماع في جلسة سرية، وقلت في تلك الجلسة إنني لن أتفاجأ إذا قام العراق بإحتلال الكويت. كانت تلك الجلسة مساء يوم الأربعاء، وفي صباح اليوم التالي الخميس 2 آب 1990، دخل صدام الكويت واستولى عليها كاملة في غضون أربعة أيام.
ومع ذلك الصباح سمعتُ على إذاعة BBC أن رئيس وزراء الأردن قال عشية ليلة الاجتياح العراقي للكويت أنه لن يكون متفاجئاً إن دخلت العراق للكويت.
صُدِمْت، وقلت إن الخبر صحيح لكن من الذي سربه ؟! اجتمعتُ بمجلس الوزراء وسألت عن تسريب الخبر وقال أحد الوزراء من المؤكد أن أحد النواب الحاضرين من سرب الخبر، وفعلا كان عبدالكريم الكباريتي الذي أكن له كل المودة والأحترام هو من سرب الخبر للصحفي سلامة نعمات مراسل BBC، وأبلغته أنه (هلَكَني) بتسريباته تلك وسنظهر وكأننا على علم بالأمر، وهو ما سيحرج موقفنا العربي والدولي.
كان كل همي من ذلك الاجتماع أن يستشعر النواب خطورة الوضع وأن يبدأوا بالتحضير لحالة متوقعة، أهمها أن العالم لن يسكت على صدام إذا دخل الكويت، وعندها سنتضرر من أي انقطاع للنفط العراقي، وهو ما سيجعلنا محاصرين أكثر من العراق، وتبعات ذلك ستكون صعبة علينا جميعاً، فالنفط غذاء الأردن، وهذه هي المعادلة ببساطة، كنت بحاجة لدعم شعبي لمواجهة هذا التحدي الخطير والصعب، وكنت أريد مجلس النواب سنداً لي بهذه المهمة أمام الشعب.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
إستمرار الجهود الأردنية لحل الأزمة ومحاولة حمل العراق على الإنسحاب
بعد أن احتل العراق الكويت واصلنا العمل للضغط على صدام للإنسحاب، ولم نهدأ ونحن نحاول الضغط عليه، تجنباً لأي عمل عسكري ضده تقوده أميركا وحلفاؤها. وفي أحد الإجتماعات استطعت أن أحرج صدام حسين، وأضغط عليه بفكرة الانسحاب، قلت له : «أنت لم تكن تنوي أن تجتاح الكويت»، تفاجأ ونظر إلي بحدة، فتابعت بالقول : «أنا أعرفك جيدا فخامة الرئيس، أنت لا تحلف بالله كذباً»، وكان طارق عزيز هو من أبلغني بهذه الصفة لصدام، وذكرت صدام بما قاله لي : «والله لأنثر الرمل بعيونهم».
وتابعت بقولي : «معنى نثر الرمل مع الكويت، هو ضربها عسكرياً من الحدود العراقية الكويتية وليس دخولها، فمدفعيتك يصل قصفها لمسافة 60 كم وهي المسافة التي تفصلك عن جارك الكويتي».
لم يعجبه كلامي لكنه اعترف بصحته، وقال إن قائد الكتيبة الذي ذهب إلى الحدود العراقية الكويتية، أبلغه أنه لا وجود لقوات كويتية على الحدود، وانه سأل صدام : «هل أكمل الطريق نحو العاصمة ؟»، فأجابه : «نعم»، وهذا ما جری. استغربت أن من جملة الأسباب التي أدت إلى تلك الكارثة، اجتهاداً لقائد كتيبة عراقي بطريقة غير صحيحة عندما عاد إلى صدّام لأخذ رأيه، والأصل أن لا يعود له ويكتفي بتنفيذ الأوامر الموجودة عنده.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
وساطات أردنية لحل الأزمة
الإجتماع في عمّان
سعى الراحل الحسين لانتزاع موافقة من صدام حسين على الانسحاب من الكويت، وبعد الضغط الذي مارسه الحسين وافق صدام على حضور اجتماع في عمّان اقترحنا أن يحضره العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز والملك المغربي الحسن الثاني والملك الحسين، وقال صدام إنه سينسحب من الكويت بعد الاجتماع، هذا إن عقد الاجتماع.
جاءني في تلك الأيام، السفير الأميركي في عمان روجر هاريسون، وسألني عن جدية المساعي الأردنية لترتيب لقاء يجمع صدام حسين مع الملك فهد بن عبدالعزيز، وأجبته بأن اللقاء سيعقد. فقال : «لكن الملك فهد لن يحضر»، وأكدت له أن اللقاء سينعقد، وتحداني بقوله إن اللقاء لن يكون بوجود الملك فهد.
وفعلا ، فشلت المبادرة، وقال لي هاريسون وهو ما أتذكره حتى اليوم «إن القوات الأميركية وصلت إلى حفر الباطن (في السعودية)». وعندها فقط علمنا بالأمر، فقبلها لم يكن لدينا أي فكرة عن التحرك الأميركي العسكري، وبعدها وصلنا من أحد أقرباء عدنان أبوعودة يقيم في حفر الباطن بالسعودية، أنه يرى في الشوارع جنوداً أميركيين.
الإجتماع في جدة
استمرت مساعي الحسين للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، فقد أعلن الراحل الحسين أنه أخذ وعداً من الرئيس المصري حسني مبارك والملك السعودي فهد بن عبدالعزيز، بقبول وساطته للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، مقابل عقد قمة مصغرة في جدة، حيث طار الملك الحسين إلى بغداد في اليوم التالي لإتمام الاتفاق، وكان الاتفاق على عقد اجتماع قمة مصغر، إذا ما أخذت القيادة العراقية قراراً بالانسحاب السريع المحدد من الكويت.
القضية عند هذا الحد كانت في طريقها إلى الحل الكامل، والراحل الحسين أخذ موافقة العراقيين على الاجتماع في جدة، وقد طلب صدام حسين الرجوع لقيادة الحزب، لأخذ قرار الانسحاب من الكويت، وكان ذلك في تمام الساعة الرابعة عصراً، وقال صدام إن عزت إبراهيم سيتصل للإبلاغ بخبر الانسحاب.
فهمنا أن العراقيين مرنون بالتفاوض على مبدأ الانسحاب. ووصلنا مطار ماركا في الساعة 5:15 مساء.
وقد أدلى الراحل الحسين بتصريحات لشبكة CNN، وبعد أن صدرت التصريحات عادت مصر والسعودية، عن موافقتهما لحضور القمة المصغرة والقمة الموسّعة، وقال صدام للحسين : «إذا صدر قرار مجلس الجامعة بإدانة العراق، ترى يا أبوعبدالله كل واحد بأرضه».
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
القمة العربية في القاهرة وقراراتها
وكان الاتفاق مع حسني مبارك على تأجيل اجتماع مجلس الجامعة، لتنجح الوساطة، إلا أنه في تمام الساعة 11 ليلاً، صدر قرار مجلس الجامعة العربية، وقد كنا أبلغنا وزير خارجيتنا مروان القاسم أن على اجتماع الجامعة أن يستمع لخبر مهم عند الساعة 10 ليلاً، يتضمّن موافقة مجلس قيادة الثورة العراقية على الانسحاب من الكويت وحضور القمة المصغرة في جدة.
بعد صدور قرار مجلس الجامعة عرفنا أن الأمور أكبر من تحركاتنا الدبلوماسية، عندها أرسل سفيرنا في القاهرة، مشروع قرار مجلس جامعة الدول العربية الذي سيبحث في قمة القاهرة يوم 5 آب.
انعقدت قمة القاهرة وكانت مليئة بالمفارقات لأن المصريين قبل القمة، كانوا قد أعلنوا موقفهم بإرسال قواتهم إلى حفر الباطن، وبالتالي موقفهم كان محسوماً في الأزمة، ولم يعد هناك أي مبرر للقمة. لم تأخذ القمة القرارات بالإجماع العربي، بل كان قرارها قرار مجموعة عربية.
قبل قمة القاهرة، التي عقدت في 5 آب 1990 والتي سبقها اجتماع لوزراء الخارجية بهدف تأمين الغطاء للعمل الأجنبي، كل ما استطعنا فعله في ذلك الاجتماع هو تعطيل انعقاده من يوم الخميس 2 آب إلى يوم الجمعة فقط. كان وزير الخارجية مروان القاسم يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب قبل القمة، وبعث للراحل الحسين بأن موقف القمة يذهب باتجاه «شجب وإدانة» اجتياح العراق للكويت، بشكل يحاكي قرار مجلس الأمن.
كنا في قصر الندوة صباحاً، أنا وزيد بن شاكر وعدنان أبوعودة، ولدى سماع الملك الحسين بالقرار غضب كثيراً، وقال : «الله أكبر، شو تركوا للوساطة»، وقال لنا أن نبلغ القاسم أن قرار الأردن التحفظ على القرار العربي. أنا لم أفهم ماذا يعني قرار (الإدانة)، وليس بواردي تفسير ذلك، لأني كنت على اطلاع جيد على المواقف العربية من العراق. الحسين شرح لنا أن ذلك يعني باللغة الدبلوماسية، نهاية المطاف، والتهيئة للتدخل العسكري، لأن هذا التعبير هو أقسى ما يمكن استخدامه دبلوماسياً تجاه أي تدخل عسكري بين بلدين.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
استمرار جهود الوساطة الأردنية وبعدة أفكار
بالنسبة للأردن ، كنا ما نزال فاعلين على خط الوساطة مع صدام لدفعه للخروج من الكويت، لكن الموقف العربي عقد الأمور أمامنا، وكان موقفنا في قمة القاهرة هو مع تشكيل لجنة عربية مصغرة تقدم تقريرها خلال مدة محدودة، وأردنا من القرار أن نستفيد من الوقت لصالح جهود الوساطة، كما أردنا من التقرير أن يسند الموقف العراقي، ويبين جوهر الخلاف بين العراق والكويت.
وفعلا، قال صدام؛ إن القمة لو نددت بالاحتلال العراقي للكويت، فإنَّهُ سيذهب بخياراته حتى النهاية، فلقد اعتبر أن قرار القمة انحياز لطرف عربي على حساب طرف آخر، وأن القادة العرب لم ينتصروا له عندما ضايقته الكويت والإمارات بأسعار النفط.
لم تتوقف مساعي الأردن عن إيجاد حل عربي عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت، ولذلك قدمنا اقتراحا بأن ننشر نصف جيشنا العربي على الحدود السعودية العراقية، وأن يكون جيشنا تحت تصرف السعوديين بالإضافة إلى الجيشين المصري والجزائري، فقد كنا على يقين بأن صدام حسين لن يضرب جيشا عربياً، لكنه سيدمر أي جيش أجنبي، وسيشتبك معه.
لكن مقترحاتنا لم تتوافق مع التصورات الخليجية حول ما يجري، وهذا ما عقّد من نجاح مبادرتنا للحل العربي العربي، إذ بات جلياً أن التصور الخليجي استند إلى أن الاجتياح العراقي للكويت ناتج عن تنسيق أردني عراقي يمني فلسطيني، وأن الملك الحسين يعرف بالاجتياح، ويريد أن يستعيد الحجاز بدعم من صدام، ويأخذ حصته الغنيمة الكويتية التي قدروها بعشرين مليار دولار، أما اليمن فتأخذ عسير ونجران وخميس مشيط، وتأخذ عشرين مليار دولار کالأردن. بينما قدَّروا أن حصة العراق هي المنطقة الشرقية للجزيرة، أما الفلسطينيون فسينالون فرصاً لتحسين هي أوضاعهم السياسية والاقتصادية في الكويت! ومن الإشاعات التي أُطلقت وصدقتها أنظمة خليجية، أن هناك 100 ألف جندي عراقي موجودون في اليمن، تدعمهم 50-150 طائرة عراقية، لاحتلال أجزاء من المملكة العربية السعودية، وأمام كل تلك الإشاعات والمعلومات الخاطئة، أخذ الخليج موقفه من وقف المساعدات للأردن.
حاولنا شرح موقفنا للبحرين، ولم يتفهموا ذلك، وقالوا لنا إنّ الخلاف الجوهري بيننا وبينهم هو إما أن ندين العدوان أو لا ندينه. سلطنة عمان كانت أكثر تَفَهُّمَاً، لكن بوش نقل للراحل الحسين انطباع دول الخليج، وقال له بشكل واضح وصريح : «الصداقات تجرب في الأزمات».
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
تصور واستشراف الملك الحسين للأزمة والكارثة
وقال الملك في أحد اجتماعاته بمجلس الوزراء، نهاية العام 1990، إنه اكتشف مؤخراً أن هناك حملةً مركزةً تجاه قيادات في الخليج العربي والمملكة العربية السعودية مستمرة منذ ما لا يقل عن سنتين، سعت لأن تعطي انطباعاً لهم بأن هناك تأمراً يستهدف الخليج والسعودية، وأن هذا الانطباع يؤكد وجود أهداف مرسومة عند العراق والأردن واليمن، وهو ما فسَّرَه الراحل الحسين على أنه السبب وراء معاناتنا خلال الفترة الماضية، وكيف كانت الوعود بالمساعدات لا تنفذ.
كما قال الحسين : «حتى إن الحكومه المصرية العضو في مجلس التعاون العربي التي عملنا المستحيل لإعادتها لأمتها العربية وإعادة أمتها لهم لمجابهة الخصوم وقعت بالفخ والمصيدة». (مجلس التعاون العربي كان يضم : مصر والأردن والعراق واليمن).
وقال قبل الأحداث إنّ النفط سيكون هو الهدف، وإن الجهة التي تسيطر عليه ستتحكم في العالم، وتحدث عن تحركه إلى الولايات المتحدة وحصوله على ضمانات مطمئنة، وهي أن وجود القوات الأميركية وجود دفاعي وليس هجومياً، وأوضح أنه كان مطمئناً لأهداف العراق بالتحرك، وحذَّر بأن أي عمل ضد العراق «لن يكون نزهة».
رحم الله الحسين، كان ينظر للعراق على أنه أمل جديد وظاهرة عربية جديدة، وكان حريصاً على الخروج من المحنة قوياً صلباً معافىً. ويومها اشتكى الراحل من ضبابية المشهد، واعتبر أن تلك الأيام أصعب من الأيام التي عاشتها المملكة في الخمسينات والستينات، وكان مبعث شعور الملك بالإحباط، أن العراق حمى الأمة لثماني سنوات في معركة صعبة مع إيران، وأننا وقفنا إلى جانبه إلى أن انتهت المعركة.
وأذكر تلك الساعة كأنني أعيشها الآن، أن الراحل طرح سؤالا : «لو صار على العراق شيء -لا سمح الله- ماذا يعني ؟ أين الجهات العربية التي تتحرك لملء الفراغ إن وقع! المنطقة مكشوفة على الأطماع والنوايا، كنا نتحدث عن المياه في قمة بغداد الأخيرة، كنا نتحدث عن الأمن القومي، مصر وقضية النيل، المياه العراقية والسورية مع تركيا»، وسأل : «لو وقع على العراق أي شيء، وتفجرت كل المشاعر، فهل تبقى السعودية والكويت على ما هي عليه ؟»، وتحدث عن خياراتنا المتأرجحة بين المراحل، إما احتمالات المفاجأة والضربة، أو أن الأمور سوف تتحسّن، لكن الملك كان يريد فعلاً الربط بين انسحاب العراق من الكويت، وانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس، حتى مع الرفض الأميركي والبريطاني لذلك، حيث كان يجد في الأمر فرجاً لحل القضية الفلسطينية. وقد دعم الراحل الحسين صدام في المبادرة التي أعلنها في 12 آب 1990 حيث وضع القضايا العربية في سلة واحدة، ودعا إلى عقد مؤتمر دولي لحل القضايا العربية، على أساس مقياس واحد، وليس مقاييس المصالح والمؤامرات.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
تعليقي ورأيي الخاص
يتضح من هذا كله أن الأردن عمل بكل جهده وقواه السياسية والدبلوماسية وبنفوذه كله ليحل الأزمة، لكن كانت أمريكا ودول عربية أخرى خلف افشال هذه المساعي الخيرة بشكل متعمد لأهدافها الخاصة ومصالحها، على الرغم من أنه الملك فهد والسعودية لم يكونوا يرغبون بدخول القوات الأجنبية، بينما كان كل هم جورج بوش الأب هو ارسال القوات الامريكية للتدخل العسكري والهدف كان واضحاً من قبلهم هو تدمير العراق، والدخول للمنطقة وبسط نفوذهم عليها.
واظهار الموقف الأردني على أنه مؤيد للغزو العراق على الكويت كان سببه احدى الشخصيات، لا أعلم بماذا كان يفكر عندما كان همه السبق الإعلامي ولم يفكر في عواقب ذلك على بلاده والسوء والضرر الذي وقع على الأردن الكثير الكثير!
وصدق الملك حسين بن طلال في كلامه : (الأمريكان خرجوا من الباب وسيعودوا من الشباك وإن عادوا لن يخرجوا أبداً) .. ونحن اليوم بعد 32 عاماً من الغزو العراقي للكويت و31 عاما على تشكيل التحالف والعملية العسكرية لتحرير الكويت .. هل خرج الأمريكان والغرب من المنطقة ؟
------------------------------------------------------------------------------------------------------
مضر بدران وهو من أهم رجال الدولة الأردنية المخضرمين









تعليقات
إرسال تعليق