((سلسلة معركة الكرامة - 2)) - تمهيد، الأحداث بين حرب حزيران 67 حتى معركة الكرامة 68
((سلسلة معركة الكرامة - 2)) - تمهيد، الأحداث بين حرب حزيران 67 حتى معركة الكرامة 68
لم تكن بداية معركة الكرامة مع ساعة الصفر التي بدأ العدو فيها هجومه (05:30) في صباح يوم 21 آذار 1968، فقد سبق ذلك قيامه بهجمات عديدة مركزة من قصف جوي ومدفعي على طول الجبهة الأردنية طوال أسابيع عديدة، ومهد لذلك أيضاً بإستعداد واسع النطاق في المجالات النفسية والسياسية والعسكرية، ولم تكن أهداف المعركة عسكرية بحته بل قصد العدو منها ومن النتائج التي هدف إليها الحصول على مكاسب نفسية واقتصادية وسياسية وعسكرية بواسطتها تغيير الحال العام في المنطقة من حال الصمود الأردني العنيد وقوة ارادته، إلى حال تحقق له الأهداف التي أراد الحصول عليها من شنه حرب حزيران العدوانية.
وإذا كان الهدف من الحرب في المفاهيم الحديثة هو القيام بتأمين كسب سياسي أو اقتصادي عن طريق استخدام القوة العسكرية، فإن انطباق هذا الفحوى على الهدف من حرب حزيران يدلنا بكل وضوح، على أن العدو أراد من الحرب ومن نتائجها التي خطط لها، إرغام الدول العربية على قبول التسوية التي يفرضها لحل القضية الفلسطينية، بعد أن تسيطر ارادته على ارادتنا، ويخضعنا لقبول التسليم بالأمر الواقع وبالشروط التي يراها وكما يعرضها من مركز القوة.
وتفقد كلمة "النصر" التي وصفت بها نتيجة حرب حزيران فحواها إذا طبقت مقاييسها على واقع الحال الذي نشأ عن نتائجها، والحقيقة المجردة أننا خسرنا معركة في حزيران، ولكن الحرب مازالت مستمرة، ولا زال الصراع بين إرادة العدو وإرادتنا على أشد، ويحق لنا في هذا المجال القول بأن المرحلة التي بدأت بها معركة الكرامة، تعتبر مرحلة من مراحل حرب حزيران المستمرة، منعنا بها العدو من استمرار تقدمه للحصول على أهدافه النهائية من الحرب التي شنها علينا ولا زالت مستمرة بكل ما توصف به الحرب عملياً، مستندة (نظرياً فقط) على ورقة وقف إطلاق النار.
كان من أهم أهداف العدو من حرب حزيران، تدمير الجيش العربي الأردني، وحرمان المملكة الأردنية الهاشمية من قدرتها على الدفاع عن نفسها، لتصبح مضطرة لقبول الشروط التي يفرضها العدو من مركز القوة، وأن يجعل الفوضى تعم الدولة بصورة تصبح معها بلا وجود تفقد إرادتها لتحل محلها إرادته وسيطرته، لتستسلم، ولكنه وبالرغم من سيادته الجوية الكاملة على سماء المعركة وبالرغم من إستخدامه أقدر وأقوى تشكيلاته الأرضية وبأعداد تفوق مرات كثيرة أعداد جيشنا، لم يستطيع أن يحقق هدفه الحيوي من حرب حزيران في تدمير جيشنا، ولم يستطيع حتى تعطيله عن القيام بواجبه المقدس بالرغم من الخسائر الفادحة التي أصابتنا نتيجة لسيطرة العدو الجوية على أجواء المعركة، خصوصاً في الأسلحة والمعدات والآليات.
وبقي جيشنا قادراً على إعادة تنظيمه وبسرعة فائقة، وتمكن من انجاز ذلك بوقت مثالي، واحتل مواقع دفاعية جديدة على الضفة الشرقية من نهر الأردن، وبقيت روح القتال والتصميم على خوض المعركة على أعلى ما تكون عليه روح القتال والتصميم، في صمود أردني رائع، وها هو جيشنا لازال صامداً في دفاع محكم تسيطر إرادته على أرض المعركة، ويحطم محاولات العدو المستمرة لقهره، ويزداد في نفس الوقت قوة ومقدرة وعدة، وتبعث فيه أصالته وشكيمته الأردنية العربية المسلمة مزيداً من الإيمان ومزيداً من السمو النفسي والمعنوي وترقى به إلى أعلى مراتب العزم على النصر.
ليس الجيش العنصر الوحيد من عناصر قوة أية دولة (مع أنه العنصر الأهم) إلا أن لعناصر أخرى هامة دوراً كبيراً في قدرة دفاع الوطن عن نفسه، وقد فشل العدو في تحطيم قوة الجيش، مثلما فشل في تحطيم عناصر قوة الوطن الأخرى، بالرغم من قيامه بعمليات نفسية وسياسية واقتصادية وعسكرية بدأها فـي أصعب ظروف مرت على المملكة بعد حزيران، ولا يزال مستمراً في القيام بها حتى يومنا هذا.
لقد بلغت وحشية العدو أقصى حدودها عندما قصف بسلاحه الجوي ومدفعيته جميع مخيمات النازحين في وادي الأردن تمهيداً لمعركة الكرامة، ولخلق جو من الرعب بين صفوف النازحين، مما اضطر الأردن إلى نقلهم إلى المرتفعات الباردة في جو الشتاء الشديد، ولكن ذلك لم يؤثر على صبره واحتماله، وانبرت قيادته للمشاكل الكبرى التي نجمت عن هذه الحملة الظالمة، وها هم اخوتنا النازحون صامدون. لقد أثبت عنصر القوة البشرية لدينا أصالته بصورة واضحة في رفض احتلال العدو في المحتل من أرضنا وفي الصامد المرابط فيها بكل عناد وبأس، وبالرغم من غاراته الجوية المتكررة على الأهداف المدنية وعلى السكان الآمنين في مدنهم وقراهم.
لم يقصف العدو قرية أو موقعاً إلا وكان الحسين هناك بسرعة فائقة، الكرامة أكثر من مرة، الكريمة، الشونة الشمالية، الشونة الجنوبية، المشارع ، اربد، السلط، کفر أسد، دير أبي سعيد، أم قيس، يواسي الجرحى المدنيين في المستشفيات، وأحياناً يشرف على اخلائهم بنفسه ويتأكد من كل شيء لإنقاذهم وخدمتهم.
وبالرغم من المشاكل الكبرى العسكرية والسياسية والإقتصادية نشطت قيادتنا في المجال العالمي، إذ زار الحسين جميع الدول الكبرى والدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، وتحدث إلى الرأي العام العالمي، وما عرف عن أي قائد أنه سافر وزار ونشط أكثر من الحسين في تلك الفترة بقيت قيادتنا قادرة على مواجهة الصعاب الجمة في جميع مجالات القيادة للإحتفاظ بإرادة الدولة التي هي إرادة الوطن، واستطاع الحسين بما يشبه المعجزة الإحتفاظ بما تبقى لديه من عناصر قوة الوطن، وتطويرها وإعادة تنظيم انتاجها، وتركيزها بدقة نحو المجهود الحربي، من أجل ابقاء روح التصميم على القتال ومواصلة الكفاح ضد إرادة العدو، وما كان الحسين ليستسلم، وما استسلمنا، ولا زلنا نجاهد في سبيل الله.
أراد العدو أن يحطم قيادتنا وثقتنا بها فإزدادت ثقتنا بها وازداد التفافنا حولها في تصميم رائع، رغم محاولات التوهين والتشكيك التي أراد العدو أن يبثها في نفوسنا من خلال حرب نفسية لئيمة استخدم بها كل امكاناته الدعائية والإعلامية والإستخبارية وإشاعاته المسمومة.
فوجئ العدو بالحال الذي نشأ نتيجة لحرب حزيران، ووجد أن الأردن يرفض نتائج الحرب، وبقي صامداً ثابتاً كله حيوية ونشاط وتصميم على الكفاح العنيد من أجل إزالة آثار العدوان، هذا الحال الذي أراد العدو أن يغيره بالضغط المستمر علينا حتى نرضخ لإرادته، وليجني من خلال ذلك ما توخاه من شن حربه العدوانية علينا، وكانت معركة الكرامة استمراراً لخطة بعيدة المدى نحو هذا الهدف، وفوجئ في الكرامة.
أما عن الأسباب الحقيقية لقيام العدو بالهجوم الشامل على الجبهة الأردنية يوم 21 آذار 1968، ومع أن العدو أعلن أنه قام بالهجوم لتدمير قوة المقاومين العرب. إلا أن هنالك أسباباً عديدة تدعو إلى الإعتقاد بأن هذا لم يكن الهدف الوحيد، فقد نشرت صحيفة لوموند الفرنسية في عددها الصادر يوم 22 آذار 1968 مقالاً جاء فيه (لم يكن الهجوم الإسرائيلي على الأردن مجرد غارة انتقام من الاردن بل هو أكثر من ذلك، إذ أن قوات المشاة والطيران والدبابات ووحدات من رجال المظليين وفرق الهـجوم شنت هجوماً على جبهة واسعة، وربما يُعتقد أن اسرائيل لا تنوي احتلال الاردن، غير أن الوسائل التي استخدمتها في ذلك الهجوم كانت كبيرة جداً).
ولا يمكن اغفال الحقيقة بأن هنالك مبررات عديدة للإعتقاد بأن العدو كان يهدف إلى احتلال مرتفعـت البلقاء، والإقتراب من العاصمة عمان للضغط على الأردن لقبول مبدأ المفاوضات المباشـرة، خصوصاً بعـد التصميم والصمود العنيد الذي أصر عليه، وكان واضحاً بصورة لا تقبل الشك أن العدو لم يحصل على أهدافه الرئيسية من حرب حزيران، وأراد القيام بذلك في هذه المرحلة الجديدة من استمرار الحرب والقتال بالرغم من وقف اطلاق النار.
ومنذ قيام وقف اطلاق النار والجبهة الأردنية تواجه العدوان تلو الآخر بمختلف الوسائل العسكرية لدى العدو، فقد استمرت رماية الرشاشات عبر خط وقف اطلاق النار كل يوم تقريباً . حتى أصبح عدم رمايتها أمراً غير طبيعي، واستمر قصف المدفعية على مواقعنا الأمامية وتعداه إلى السكان المدنيين، خصوصاً في قرى وادي الأردن الخصيب وفي القرى الآمنة، ومخيمات النازحين الذين لجأوا إلى الأغوار اتقاءاً من البرد الشديد في المرتفعات، وكان حجم كل عدوان يزيد عن الذي سبقه، حتى وصل الأمر إلى درجة لم بعد معها معنى لوقف اطلاق النار، ولعل في قصص العدوان الثلاث التالية دليلاً يزيد عن الحاجة.
- العدوان على غور الصافي 21 كانون الثاني 1968، حيث قام العدو بعدوان جديد على الأردن يوم الأربعاء حيث أسفر عن استشهاد 7 وإصابة 17 بعد معركة استمرت 21 ساعة في منطقة غور الصافي في الجنوب، وقد دمرت قوات العدو المدعومة من الضربات الجوية العديد من المنازل في قرى الصافي و فيفا ودمرت عدداً من المركبات الأردنية حيث قاموا بقصف التلال والطريق الرئيسي الذي يربط المنطقة بالكرك على بعد حوالي 30 كم إلى الشمال الشرقي. ويعتقد أنها واحدة من أطول المواجهات منذ حرب حزيران في عام 1967، وبقيت القوات المسلحة الأردنية والسعودية والمقاتلين الفلسطينيين يصدون العدو حتى ردوه عن عدوانه الغاشم.
- ففي يوم 25 كانون الثاني 1968 بدأ العدو في الساعة (15:05) برماية كثيفة من رشاشاته المتوسطة وأسلحته الخفيفة على قواتنا الموجودة قرب جسر الملك حسين، وقد ردت قواتنا بالمثل، واستمرت الرماية ساعة كاملة وتوقفت لمدة خمس دقائق فقط، استأنف العدو بعدها الرماية بشدة، وكان ردنا في هذه المرة أشد، مما جعل العدو يلجأ إلى استخدام مدفعـية الميدان ومدافع 106 ملم ورشاشاته المتوسطة. في الساعة (16:10) زاد العدو من اتساع عدوانه وكثافة ناره وقصف مدفعيته مخيم غور نمرين للنازحين وكان غاصاً بالآلاف من النساء والأطفال والشيوخ مما اضطر مدفعيتنا إلى قصف مواقع مدفعية العدو واسكاتها في السـاعة (16:20)، واستمرت الرماية متقطعة تشتد بين الحين والآخر حتى الساعة (17:10) حيث توقفت نهائياً، لقد اتصف قصف مخيم النازحين بالوحشية واللؤم، ولم يغادر المخيم شخص واحد، ولعل العدو تلقى درساً جيداً من رماية مدفعيتنا، واستشهد عدد من جنود جيشنا وتم تشييع جنائزهم من المسجد الحسيني في العاصمة عمان وشارك بها عدد عفير جدا من المواطنين.
- وفي يوم 8 شباط 1968 بدأ العدو يتحرش بقواتنا، ففي الساعة (13:00) بدأ بالرماية من دباباته ورشاشاته المتوسطة على مراقباتنا في مخاضة سعيدة وأم سدرة على نهر الأردن، وردت قواتنا على النيران بالرشاشات ومدافع 106 ملم، وعزز العدو المنطقة بما يقارب سرية دبابات و 12 مدفع 106 ملم، واشتدت الرماية واتسع نطاقها في الساعة (13:55) عندما بدأ العدو بقصف قواتنا بمدفعية الميدان والمدفعية الثقيلة، واستمر القصف حتى الساعة (10:14) ثم توقف من جميع الأسلحة.
وفي الساعة (14:45) جدد العدو قصفه من المدفعية والدبابات والرشاشات المتوسطة، وصدر الأمر لمدفعيتنا بالرد، فقصفت مواقع مدفعيته بشدة، وشوهدت للعدو طائرة كشف Auster ملاحظة للمدفعية، واستمر تبادل القصف المدفعي حتى الساعة (17:05) حيث انضمت لمدفعية العدو وحدات جديدة وبدأت تقصف مواقع مدفعيتنا، واستمرت الرماية حتى الساعة (15:35) حيث توقفت ولكن ليس طويلاً، وانتقلت المعركة إلى قطاع آخر، ففي الساعة (15:45) أخذ العدو يقصف بمدفعيته قرية الكريمة الآهلة بالسكان المدنيين، ولم يكن بها جندي أردني واحد ليكون مبرراً للعدو بقصف القرية الآمنة، ولكن هكذا كانت أخلاقه وهكذا كانت أهدافه ونياته، وقد سقط جرحى من المدنيين رجـلاً ونساءاً وأطفالاً، 4 مزارعين و3 نساء وطفلان، وجرح 9 مواطنين بجراح بليغة، واستشهد طفل عمره 3 سنوات، كما أطلق العدو أكثر من 100 قنبلة في قصف هذه القرية الباسلة التي دمر عدد لا يستهان به من بيوتها.
استمر القصف المتبادل على طول الجبهة شديداً حتى الساعة (16:10)، وقد فشلت مدفعية العدو في اسكات مدفعيتنا، وانتقلت بكل خـسة مرة أخرى إلى القرى الأمنة، فقصفت قرية معدي ومخبم النازحين القريب منها، وكذلك قرية داميا القريبة من الجسر، وكانت رماية العدو من مسافة بعيدة وبمدفعية ثقيلة، وهنا أيضاً استشهد طفل واستشهدت أمه قريباً منه، وجرح 11 مدنياً في مخيم النازحين، وفي الساعة (17:15) تقدمت سرية دبابات للعدو من مثلث الجفتلك بأتجاه جسر دامية على الطريق الرئيسي، وتحولت إليها رماية مدفعيتنا حالاً، ودمرت منها 7 دبابات وسيارة 1 طن وسيارة Land Rover وناقلة نصف مجنزرة M3، ولم يتوقف تبادل الرمي بالمدفعية، وظل مستمراً على طول الجبهة، وفي الساعة (17:25) بدأ العدو بقصف المدفعية والدبابات والرشاشات المتوسطة على قواتنا في جسر الملك حسين، واستمر العدو بقصف قرية داميا والكريمة ومعدي وجميع مخيمات النازحين.
وانتقل برمايته من المدفعية الثقيلة إلى مخيم النازحين في الكرامة، وكان غاصاً بالنساء والشيوخ والأطفال ورمى العدو أكثر من 150 قنبلة على أهلنا الصامدين هناك، واستشهد 4 من المدنيين وجرح 15 رجلاً وامرأة وطفلاً، ودمر عدداً كبيراً من البيوت.
كان هذا العدوان من أعنف ما قام به العدو من أعمال اجرامية بعد حرب حزيران، وكان هدفه واضحاً وهو ارهاب مخيمات النازحين لإخراجهم من الأغوار ولإخلاء وادي الأردن من سكانه ليشكل ذلك ضغطاً على الأردن لخلق البطالة. ولإماتة المزارع، وابعاد العمال الزراعيين عنها ولتدمير صادرات الأردن الزراعية الرئيسية، ولخلق مشاكل ادارية ونفسية ومعنوية للمملكة.
أما الهدف العسكري فكان لجر مدفعيتنا إلى معركة قصف متبادل لإختبار قوتها ومقدرتها، ولتعيين مواقعها تمهيداً لمعركة الكرامة، ولا يوجد شك في أن العدو استطاع أن يحقق بعض أهدافه هنا ولكن ليس كلها.
كانت خسائر العدو جسيمة، فبالإضافة إلى سرية الدبابات التي تهشمت وقُتل معظم أفرادها، دمرنا 4 نقاط مراقبة قتل جميع من فيها، ودمرنا معسكر الكرنتينا غرب جسر داميا واشتعلت النيران فيه، وقد شوهدت سيارات اسعاف كثيرة وعدة طائرات هيلوكبتر تنقل جرحى العدو، كانت خسائرنا استشهاد جندي واحد و5 جرحى وإصابة مدفع دبابة ومبرد ناقلة مدفع اصابة بسيطة، وكان نصراً حاسماً لمدفعيتنا بصورة خاصة ومختلف أسلحتنا الأخرى بصورة عامة.
- مجزرة الكرامة 9 شباط 1968، ضرب العدو مخيم اللاجئين في قرية الكرامة الأردنية بالقنابل، فقتلوا موظفي الأونروا وأصابوا أكواخ اللاجئين ومدرسة البنين وقتلوا 14 شخصاً وجرحوا 50 آخرين.
- يوم 11 شباط 1968، وبدأت فيه معركة مدفعية ودبابات شديدة وبدأ العدو عدوانه في الساعة (10:30) عندما أطلق من رشاشاته المتوسطة صليات عديدة على مراقباتنا في مخاضة القطاف جنوبي جسر المجامع، أجابتها مراقباتنا بمثلها، فعطلت للعدو سيارة 1 طن وقتل الجنود الثلاثة الذين كانوا على متنها وتقدمت سيارة أخرى للعدو مثبت عليها رشاش 500، وسلطت نيرانها على مراقبتنا، واستمر تبادل رمي الرشاشات حتى الساعة (11:10) عندما أطلق العدو 3 طلقات من مدفع 106 ملم، ثم أطلقت مدافع الهاون 81 ملم على المراقبة والمنطقة المجاورة لها بقصف شديد، وفي الساعة (12:15)، انضمت المدفعية إلى رماية العدو، وفتحت نيراناً شديدة على موقع الجمرك والمشروع قرب جسر المجامع، وبقيت رماية المدفعية مستمرة حتى الساعة (13:12) حيث توقفت واستمرت رماية رشاشات 500 على نفس المنطقة من ناقلات نصف مجنزرة M3 لهذه الغاية، وهنا ردت قواتنا عليها بمدافع 106 ملم hgمقاومة للدبابات ودمرت بعضها وتوقفت الرماية حالاً بعد هذا الرد الشديد.
وتجدد عدوان العدو في الساعة (14:00) من مدفعية العدو وتوقف بعد 5 دقائق، ثم جدد الرماية من رشاشات 500 على مخاضة القطاف، واستمرت الرماية متقطعة من مدفعية العدو ورشاشات 500 حتى الساعة (16:05).
وفي الساعة (16:05) بدأ العدو برماية مدافع من 3 دبابات على مواقعنا في عمارة قرب جسر الملك حسين، وفي نفس الوقت من دبابتين على مواقعنا في المندسة، وردت دباباتنا على النار بالمثل، وكذلك من مدافع 106 ملم التي تمكنت احداها من اصابة احدى دبابات العـدو اصابة مباشرة ودمرتها، وهنا بدأ العدو بقصف مدفعي شديد على جميع هذه المواقع، وفتح النيران من دباباته على مواقعنا قرب المغطس على النهر.
وفي الساعة (16:30) بدأت رماية المدفعية على مواقعنا على طول الجبهة بمدفعية الميدان والمدفعية الثقيلة، وبقيت دباباتنا بالرغم من القصف الشديد تشترك مع مدافع 106 ملم، ضد دبابات العدو ومراكز مراقبته وأي هدف متحرك أمامها، واستمرت معركة القصف هذه حتى الساعة (16:50) حيث ركز العدو قـصفه على المغطس وسويمة ومثلث العارضة ومزارع وادي الأردن المختلفة بقصد تدميرها.
وفي الساعة (17:55) توقفت الرماية من قبل الطرفين نهائيا، وفي هذه المرة تكبد العدو خسائر فادحة ولم تقع خسائر بيننا بالرغم من آلاف القنابل من المدفعية والدبابات من مختلف الأحجام.
لقد كان جو المعركة التي ابتدأت في الساعة (10:30) وانتهت في الساعة (17:55) لمدة 7 ساعات متواصلة أمراً طبيعياً اعتاد عليه جيشنا ورجالنا، ولكن النساء والأطفال في مخيمات النازحين تأثروا من هذا القصف، ولم يعد مقبولاً أن تسمح لهم الدولة بإحتمال أكثر، ولهذا نقلت مخيمات النازحين إلى المرتفعات رغم البرد الشديد، واخلي من بينها مخيم الكرامة الكبير، ومع أن هذا النقل أوجد مشاكل ادارية ونفسية، إلا أن الخطة المستعجلة التي نُفذت لإعادة أبناء المخيمات وتقديم العون الضروري السريع، أزال كل التعقيدات التي أراد العدو أن يخلفها لنا، وقد أُقيم مخيم البقعة للنازحين خلال 48 ساعة فقط.
واستمر العدو يطلق النار من رشاشاته على كل عامل يعمل في مزرعته، ولم تميز رشاشات العدو وصيادوه بين امرأة أو رجل أو طفل، وكان القصد من ذلك إماتة وادي الأردن واخلائه من أهله تمهيداً لعملية الهجوم الكبير.
- معركة الثمانِ ساعات 15 شباط 1968، كانت عدة قرى في شمال الأردن وحديداً أم قيس على موعد مع مواجهة كبيرة مع العدو، وهبت كتيبة الحسين/2 (ام الشهداء) وقائدها الرائد الركن منصور كريشان وجنود كتيبته للتصدي لعدوان العدو، بالاضافة إلى باقي وحدات الجيش العربي.
وسقط ثلة من أبطال كتيبة الحسين/2 ومن وحدات أخرى وجنودها وأقيمت لهم جنازة مهيبة في العاصمة عمان شاركت فيها جموع غفيرة من أفراد الجيش العربي والمواطنين الأردنيين وهم :
قائد كتيبة الحسين/2 الرائد منصور كريشان - معان
الشهيد الجندي/1 عوض محمد ابراهيم الجراح - اربد
الشهيد الجندي محمد عقلة مصطفى عبدالرحمن - اربد
الشهيد الجندي طايل محمد هدهود - المنصورة/المفرق
الشهيد الجندي علي حسين علي - دير يوسف/اربد
الشهيد علي سويلم حسين - المفرق
الشهيد محمد حمدان ابراهيم - القدس
وتبعهم في اليوم الثاني 4 من الشهداء
الشهيد العريف محمود عيد قاسم النسور - السلط
الشهيد الجندي منير احمد ابراهيم المصري - حرثا/اربد
الشهيد الجندي احمد حسن عبد الرحمن - اربد
الشهيد الجندي احمد عبدالله حسين - نابلس
بالإضافة إلى عدد كبير من الشهداء المدنيين وصل عددهم الى 48 شهيداً وعدد آخر من الجرحى وصل الى 55 جريحاً
وتكريما لهذه الكوكبة من شهداء الخامس عشر من شهر شباط عام 1968 فقد صدرت الإرادة الملكية السامية باعتبار يوم 15 شباط هو يوم تكريم للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء سمي (بيوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى) حيث اراده جلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة الباسلة يوماً أردنياً للقاء العسكرين المتقاعدين.
من الصعب التقدير أن اعتداءاً معيناً كان أشد من الآخر، فقد ازداد ضغط العدو، وأصبح الناطق العسكري الأردني يتردد في الإعلان عن معارك الإشتباك الصغيرة التي حدثت بين العدوان على مخيم غور نمرين يوم 25 كانون الثاني 1968 وبين عدوان 11 شباط 1968.
لقد استمرت رماية الرشاشات على فترات متقطعة، واستمرت معارك الصيادين واشتباكات الدبابات الفردية، واصبح نمط الحياة اليومية في الأغوار هو صوت الإشتباكات على طول خط وقف اطلاق النار، وكان جلالة القائد الأعلى قد قدر محاولة ضغط العدو فأخذ يزور الوحدات العسكرية زيارات متتابعة، وكان يتوقف في كل قرية أصيبت من جراء العدوان ويتحدث إلى المواطنين يشجعهم، وكانت مشكلة المرافقين وكبار الضباط محاولة اقناع جلالته بصورة غير مباشرة بعدم الوصول إلى مركز مراقبة أو موقع تحت رماية العدو المباشر، ولكن جلالته كان يذهب إلى كل جندي وكل خندق وكل قرية سواء خلال العمليات أو بعدها مباشرة، وكان القصف لا يزال منصباً على قرية الكرامة عندما زارها وأشرف حفظه الله بنفسه على نقل الجرحى وشجع المواطنين وشحذ هممهم وتأكد من كل شيء واعتاد الجميع على ذلك، وانتهت محاولات الإقناع وأصبحت زيارة الجسور ومراكز الحجاب والتحدث إلى جندي في أقصى خندق من الجبهة أمراً عادياً، وصمد أهل الوادي الطيب وصمد النازحون في مخيماتهم، لا تقيهم من القنابل إلا الخيام والأكواخ البسيطة وخنادق حفروها للأطفال والنساء.
1) كتاب (معركة الكرامة) للواء الركن المتقاعد معن أبو نوار رحمه الله.
2) صحيفة لوموند الفرنسية، عدد يوم 22 آذار 1968.
https://www.lemonde.fr/archives/article/1968/03/22/apres-une-action-de-represailles-contre-la-jordanie-les-forces-israeliennes-ont-regagne-leurs-bases-amman-a-demande-un-sommet-arabe_3067458_1819218.html





مشكوور يا نشاب على هالمقال الرائع،بانتظار مقال الغد
ردحذفتسلم ايديك، مبارك مجهودك 🤍🇯🇴
ردحذف